قد يعتقد البعض أن أصعب ما في العمل هو ضغط المهام أو كثرة المسؤوليات، لكن الحقيقة أن أكثر ما يستنزف الإنسان ليس حجم العمل، بل شعوره بأنه غير آمن داخل مكان يفترض أن يمنحه الاستقرار. فالتنمر الوظيفي يعد من أخطر المشكلات النفسية التي قد يواجهها الموظف، لأنه لا يهاجم مهاراته فقط، بل يستهدف ثقته بنفسه وإحساسه بقيمته.
التنمر الوظيفي ليس مجرد خلاف عابر بين الزملاء، بل هو سلوك متكرر يهدف إلى التقليل من شأن شخص آخر أو عزله أو إضعافه نفسيا. وقد يظهر على شكل سخرية مستمرة، أو إهانة أمام الآخرين، أو نشر الشائعات، أو استبعاد متعمد من الاجتماعات، أو التقليل من الإنجازات، أو تحميل الموظف أخطاء لا تخصه، أو ممارسة ضغوط غير عادلة لإجباره على ترك العمل.
من الناحية النفسية، يعيش الشخص الذي يتعرض للتنمر حالة من التوتر المستمر، فيصبح عقله في حالة استنفار دائم وكأنه يواجه خطرا لا ينتهي. ومع مرور الوقت يبدأ مستوى القلق بالارتفاع، ويضعف التركيز، وتقل الإنتاجية، ويظهر الإرهاق النفسي واضطرابات النوم، وقد يصل الأمر إلى الاكتئاب أو الاحتراق الوظيفي.
والأخطر من ذلك أن الضحية قد تبدأ بتصديق الرسائل السلبية التي تتكرر عليها يوميا. فتتحول من شخص واثق بقدراته إلى شخص يشك في كل قرار يتخذه، ويخاف من ارتكاب أي خطأ، ويشعر بأنه أقل كفاءة من الآخرين، رغم أن المشكلة في الحقيقة ليست فيه، بل في البيئة التي يعيش فيها.
أما الشخص المتنمر، ففي كثير من الأحيان لا يمارس هذا السلوك لأنه أقوى، بل لأنه يشعر بالتهديد من نجاح الآخرين، أو يعاني من ضعف في تقدير الذات، فيحاول تعويض ذلك بالسيطرة والإهانة وإضعاف من حوله. لذلك فإن التنمر يعكس اضطراب المتنمر أكثر مما يعكس حقيقة الضحية.
العمل الناجح لا يقاس فقط بحجم الإنجاز، بل أيضا بمدى شعور الإنسان بالأمان والاحترام داخل بيئة عمله. فلا تسمح لأحد أن يقنعك بأن قيمتك تحددها إساءاته أو أحكامه عليك. تذكر دائما أن الكفاءة تبنى بالعلم والخبرة، أما الكرامة فهي حق لا يمنحه أحد ولا يحق لأحد أن ينتزعه.
د. مصطفى الغراوي
أخصائي العلاج المعرفي السلوكي