هناك احداث تنتهي في الواقع، لكنها تستمر في داخلنا.
قد ينتهي موقف منذ سنوات، وتنتهي علاقة، ويبتعد شخص، وتغلق صفحة، لكن العقل يستمر في اعادة المشهد، وتحليل التفاصيل، واسترجاع الكلمات، والبحث عن اجابات لم تعد تغير شيئا.
وهنا قد لا يعود الانسان يعيش الحدث نفسه، بل يعيش تفسيره للحدث.
قد لا يكون ما يؤلمك اليوم هو ما حدث فعلا، بل المعنى الذي منحته لما حدث.
ربما قلت لنفسك بعد تجربة مؤلمة:
انا لا استحق.
لا يمكن الوثوق باحد.
انا دائما اخسر.
لن اكون سعيدا.
الناس سوف يؤذونني.
انا ضعيف.
ومع تكرار هذه الافكار، تتحول التجربة من حدث في الماضي الى عدسة ترى من خلالها الحاضر والمستقبل.
وهنا يبدأ الاسر النفسي.
من الخطا ان نطلب من الانسان ان ينسى ما حدث له.
فالنسيان ليس هو التعافي.
وقد لا يكون المطلوب منك ان تمحو التجربة من ذاكرتك، بل ان تتعلم كيف تتذكرها دون ان تعيش تحت سلطتها.
ما حدث لك قد يفسر بعض حساسيتك، وبعض مخاوفك، وبعض ردود افعالك، لكنه لا يمنح الماضي الحق في تحديد ما ستكون عليه غدا.
الخيانة لا تعني ان كل الناس خائنون.
الفشل لا يعني انك فاشل.
الرفض لا يعني انك غير جدير بالحب.
الخسارة لا تعني ان حياتك انتهت.
والتجربة السيئة لا تعني ان المستقبل نسخة من الماضي.
الحدث جزء من قصتك، لكنه ليس كل قصتك.
الانسان لا يتالم فقط بسبب ما حدث، بل قد يتالم بسبب الطريقة التي يفسر بها ما حدث.
شخص تعرض للخيانة قد يقول:
لن اثق باحد مرة اخرى.
وشخص تعرض للفشل قد يقول:
انا لا اصلح لشيء.
وشخص عاش علاقة مؤذية قد يقول:
الحب دائما مؤلم.
وشخص تعرض للرفض قد يقول:
لا احد يمكن ان يحبني.
المشكلة هنا ليست في وجود الالم، بل في تحول تجربة واحدة الى قاعدة تحكم الحياة كلها.
في العلاج المعرفي السلوكي، نتعلم ان نراجع افكارنا، لا ان نصدقها لمجرد انها ظهرت في اذهاننا.
اسأل نفسك:
هل هذه حقيقة ام خوف؟
هل لدي دليل حقيقي على هذه الفكرة؟
هل انا اعمم تجربة واحدة على حياتي كلها؟
هل هناك تفسير اخر لما حدث؟
هل احكم على نفسي بقسوة اكبر مما احكم بها على الاخرين؟
هذه الاسئلة لا تلغي الالم، لكنها تمنع العقل من تحويل الالم الى سجن فكري.
لان العقل يحاول حمايتنا.
بعد التجارب المؤلمة، قد يبدأ العقل في مراقبة كل شيء بحثا عن علامات الخطر.
تراقب نبرة صوت شخص.
تحلل رسالة.
تفسر تأخر الرد.
تشك في التصرفات.
تراجع المواقف القديمة.
تتوقع الخيانة قبل حدوثها.
تخاف من الفقد قبل ان يحدث.
وقد تشعر انك بذلك تحمي نفسك.
لكن الحقيقة ان محاولة السيطرة الكاملة على المستقبل قد تتحول الى مصدر دائم للقلق.
فانت لا تعيش اللحظة، بل تعيش في حالة استعداد دائم لحدث قد لا يحدث اصلا.
وهنا يجب ان تتعلم حقيقة مهمة:
الامان النفسي لا يعني ان تضمن عدم تعرضك للالم، بل ان تثق بقدرتك على التعامل معه اذا حدث.
قد تتذكر الشخص الذي اذالك.
قد تتذكر الموقف.
قد تشعر بالحزن احيانا.
وقد تاتي بعض الذكريات فجاة.
هذا لا يعني انك لم تتعاف.
التعافي لا يقاس بعدد المرات التي تتذكر فيها الماضي، بل بمدى تأثيره عليك.
قد تتذكر دون ان تنهار.
قد تحزن دون ان تتوقف عن حياتك.
قد تغضب دون ان تنتقم.
قد تتالم دون ان تؤذي نفسك.
وقد تتذكر ما حدث وتقول:
نعم، لقد كان مؤلما، لكنه انتهى.
هذه الجملة البسيطة تحمل نضجا نفسيا كبيرا.
من اكثر الاشياء قسوة على الانسان ان يعاقب نفسه الحالية على اخطاء ارتكبها في ظروف قديمة.
انت اليوم اكثر وعيا مما كنت عليه بالامس.
تعلمت.
نضجت.
اكتسبت خبرات.
وفهمت اشياء لم تكن تفهمها من قبل.
لذلك لا تستخدم وعيك الحالي لتعذيب نفسك القديمة.
ربما اتخذت قرارا خاطئا لانك لم تكن تعرف.
ربما بقيت في علاقة لانك كنت تخاف الوحدة.
ربما وثقت بشخص لم يكن جديرا بالثقة.
ربما لم تعرف كيف تضع الحدود.
تعلم من نفسك القديمة، لكن لا تحتقرها.
فهي ايضا كانت تحاول ان تعيش بما تملك من وعي في ذلك الوقت.
هناك فرق بين التعلم من الماضي والعيش فيه.
التعلم يسالك:
ماذا فهمت؟
ماذا يجب ان اغير؟
ما الحدود التي احتاجها؟
كيف اختار بشكل افضل؟
اما الاجترار فيسالك:
لماذا حدث هذا؟
لماذا لم انتبه؟
ماذا لو تصرفت بطريقة مختلفة؟
لماذا فعلوا بي ذلك؟
الاسئلة الاولى تبني المستقبل.
اما الاسئلة الثانية فقد تبقيك عالقا في الماضي.
لا يمكنك تغيير المشهد القديم، لكن يمكنك تغيير علاقتك به.
خذ الحكمة من التجربة، ولا تحمل كل تفاصيلها معك الى بقية حياتك.
بعض الناس يعتقدون انهم سيبدأون عندما يشعرون بالقوة.
لكن القوة النفسية لا تأتي دائما قبل المواجهة.
احيانا تأتي بسببها.
تواجه رغم الخوف، فتكتشف انك قادر.
تضع حدا رغم القلق، فتزداد ثقتك.
تبدأ من جديد رغم الفشل، فتتعلم انك تستطيع.
تقول لا رغم خوفك من الرفض، فتكتشف ان احترامك لنفسك اهم من ارضاء الجميع.
الثقة بالنفس ليست دائما نقطة البداية، بل قد تكون نتيجة لتصرفات صغيرة تكررها كل يوم.
قد تفقد شخصا، لكن لا تفقد نفسك.
قد تخسر علاقة، لكن لا تخسر مستقبلك.
قد تضيع فرصة، لكن لا يعني ذلك ان كل الفرص انتهت.
قد تمر سنوات صعبة، لكن هذا لا يعني ان السنوات القادمة يجب ان تكون نسخة منها.
الحياة لا تتوقف عند الصفحة التي انكسرت فيها.
هناك صفحات اخرى لم تكتب بعد.
ولذلك اسأل نفسك كل صباح:
ما الشيء الذي استطيع فعله اليوم ليكون افضل من الامس؟
قد تكون الخطوة صغيرة.
نوم افضل.
ممارسة رياضة.
انجاز عمل مؤجل.
التواصل مع شخص ايجابي.
الابتعاد عن مصدر استنزاف.
او حتى مجرد التوقف عن جلد الذات ليوم واحد.
التغيير الكبير غالبا يبدأ بخطوات صغيرة تتكرر باستمرار.
انت لست مسؤولا عن كل ما حدث لك.
لكن انت مسؤول عن الطريقة التي ستتعامل بها مع ما حدث.
لا تستطيع تغيير الماضي.
لكن تستطيع ان تغير عاداتك.
لا تستطيع التحكم في افعال الاخرين.
لكن تستطيع وضع حدود.
لا تستطيع منع كل خذلان.
لكن تستطيع ان تتعلم الاختيار بشكل اكثر وعيا.
لا تستطيع التحكم بكل فكرة.
لكن تستطيع ان تتعلم عدم الاستجابة لكل فكرة.
وهنا تنتقل من سؤال:
لماذا حدث هذا لي؟
الى سؤال اكثر قوة:
ماذا استطيع ان افعل الان؟
هذا السؤال يعيد اليك زمام حياتك.
قد تمر عليك ايام تشعر فيها انك قوي.
ثم يأتي يوم تتعب فيه.
قد تعتقد انك تجاوزت شيئا، ثم تعود ذكرى وتؤلمك.
لا تعتبر ذلك فشلا.
التعافي رحلة فيها تقدم وتراجع مؤقت.
المهم ليس الا تسقط، بل الا تجعل السقوط سببا للتخلي عن الطريق.
لا تقيس تعافيك باصعب يوم مررت به.
انظر الى المسافة التي قطعتها.
هل اصبحت تفهم نفسك اكثر؟
هل اصبحت تضع حدودا افضل؟
هل اصبحت اقل اندفاعا؟
هل اصبحت قادرا على مواجهة ما كنت تهرب منه؟
هذه هي مؤشرات النمو الحقيقي.
تبدأ عندما تتوقف عن انتظار اعتذار من شخص حتى ترتاح.
تبدأ عندما تتوقف عن انتظار تغيير الماضي حتى تستطيع العيش.
تبدأ عندما تدرك ان قيمتك لا يحددها شخص رفضك.
تبدأ عندما تتوقف عن مراقبة كل شيء بحثا عن خطر.
تبدأ عندما تسمح لنفسك بالحياة رغم احتمال الالم.
وتبدأ عندما تقول لنفسك:
لقد حدث ما حدث.
لن استطيع تغييره.
لكنني استطيع ان اختار ماذا سأفعل من الان.
لا تكن اسيرا لما حدث لك.
انت اكبر من تجربة مؤلمة.
واكبر من علاقة انتهت.
واكبر من شخص خذلك.
واكبر من خطا ارتكبته.
واكبر من مرحلة قاسية مررت بها.
قد تكون قد حملت الالم طويلا، لكن ليس مطلوبا منك ان تحمله الى الابد.
احترم ماضيك، لكن لا تسكن فيه.
تعلم منه، لكن لا تجعل منه سجنا.
سامح نفسك على ما لم تكن تعرفه.
ضع حدودا لما يؤذيك.
واجه ما تخشاه بالتدريج.
راجع افكارك.
وعش حاضرك بوعي.
فالتعافي الحقيقي لا يعني ان تقول:
لم يعد الماضي يؤلمني.
بل ان تصل الى مرحلة تقول فيها بثبات:
نعم، لقد آلمني ما حدث، لكنه لم يعد يملك مستقبلي.
وعندما تصل الى هذه النقطة، لن تكون قد محوت قصتك.
بل ستكون قد استعدت حقك في كتابة الفصل القادم منها.
د. مصطفى الغراوي
اخصائي العلاج المعرفي السلوكي(cbt)