الافكار جزء اساسي من حياتنا اليومية، فنحن نفكر في انفسنا والآخرين والمواقف التي نمر بها والمستقبل بشكل مستمر. لكن المشكلة لا تكون دائما في الفكرة نفسها، وانما في الطريقة التي نفسر بها الاحداث ونتعامل معها.
قد يمر الانسان بموقف بسيط، لكنه يعطيه تفسيرا سلبيا، ثم يبدأ هذا التفسير بالتأثير في مشاعره وسلوكه. فقد يتاخر شخص في الرد على رسالة، فيفكر الانسان: "هو يتجاهلني"، ثم يشعر بالقلق او الغضب، وربما يتصرف بناء على هذا الاعتقاد رغم عدم وجود دليل واضح عليه.
هنا تظهر اهمية فهم التشوهات المعرفية.
التشوهات المعرفية هي انماط غير دقيقة في التفكير تجعل الانسان يفسر الاحداث بطريقة غير واقعية او مبالغ فيها.
هذه الافكار غالبا تكون تلقائية وسريعة، وقد يصدقها الانسان دون ان يتوقف ليسال نفسه: هل هذه الفكرة صحيحة ام لا؟
ومن اشهر التشوهات المعرفية:
يرى الانسان الامور بطريقة متطرفة، فاما ان يكون ناجحا تماما او فاشلا تماما، واما ان تكون العلاقة جيدة تماما او سيئة تماما.
يحدث موقف سلبي واحد، فيقوم الانسان بتعميمه على حياته كلها.
قد يفشل في تجربة معينة فيقول: "انا دائما افشل".
او يتعرض للخيانة من شخص فيقول: "لا يمكن الوثوق باي شخص".
يفترض الانسان انه يعرف ما يفكر به الآخرون دون ان يكون لديه دليل واضح.
قد يرى شخصا لا يتحدث معه فيعتقد: "هو لا يحترمني".
لكن الحقيقة انه لا يعرف السبب الحقيقي وراء تصرف الشخص الآخر.
يتوقع الانسان حدوث نتيجة سلبية ويتعامل معها وكأنها حقيقة مؤكدة.
قد يقول: "سافشل"، او "ستحدث مشكلة"، او "لن استطيع تحمل ما سيحدث".
لكن المستقبل لم يحدث بعد، ولذلك لا يمكن اعتبار التوقع حقيقة.
يعطي الانسان المشكلة حجما اكبر من حجمها الحقيقي.
قد يواجه موقفا مزعجا، فيبدأ بالتفكير: "انتهى كل شيء"، او "لن استطيع تجاوز هذا الامر".
وهنا لا تكون المشكلة فقط في الحدث، بل في الطريقة التي ينظر بها الانسان الى الحدث.
يركز الانسان على الاخطاء والمواقف السلبية ويتجاهل النجاحات والامور الجيدة التي قام بها.
قد ينجح في عدة امور، لكنه يتذكر خطا واحدا ويقول: "انا لا انجح في شيء".
يفسر الانسان بعض الاحداث على انها مرتبطة به بشكل مباشر، حتى عندما لا يكون هناك دليل على ذلك.
قد يتغير مزاج شخص قريب منه فيعتقد مباشرة ان السبب هو نفسه.
لان الفكرة عندما تتكرر تصبح مالوفة للعقل، وما هو مالوف قد يبدو لنا صحيحا.
كما ان التجارب السابقة يمكن ان تؤثر في طريقة تفسيرنا للمواقف الحالية.
الشخص الذي تعرض للخيانة قد يصبح اكثر حساسية تجاه بعض التصرفات، وقد يفسر تصرفا عاديا على انه دليل على الخيانة.
لكن وجود تجربة مؤلمة في الماضي لا يعني ان التجربة نفسها ستتكرر في الحاضر.
من المهم ان نفرق بين ما حدث سابقا وبين ما يحدث الان.
من اهم المهارات النفسية التي يحتاج الانسان الى تعلمها هي ان يفرق بين الفكرة والحقيقة.
وجود فكرة في ذهنك لا يعني انها صحيحة.
قد تفكر ان شخصا يكرهك، لكن التفكير بهذا الامر لا يعني انه يكرهك فعلا.
قد تشعر انك لن تستطيع التعامل مع مشكلة، لكن هذا الشعور لا يعني انك غير قادر على التعامل معها.
وقد تشعر بالخوف من المستقبل، لكن الخوف لا يخبرك بما سيحدث فعلا.
لذلك عندما تظهر فكرة مزعجة، اسال نفسك:
ما الدليل الذي يثبت هذه الفكرة؟
ما الدليل الذي يخالفها؟
هل يوجد تفسير اخر للموقف؟
هل انا ابالغ في تفسير ما حدث؟
هل اتعامل مع احتمال وكأنه حقيقة؟
هل احكم على نفسي من خلال موقف واحد؟
هذه الاسئلة تساعد الانسان على الانتقال من التفكير التلقائي الى التفكير المتوازن.
هناك علاقة قوية بين ما نفكر به وما نشعر به وكيف نتصرف.
عندما يعتقد الانسان ان الآخرين يرفضونه، قد يشعر بالحزن والقلق، ثم يبدأ بالابتعاد عن الناس.
وبعد فترة قد يشعر بالوحدة، فيعتبر هذه الوحدة دليلا على ان الآخرين لا يريدونه.
وهكذا تتكون دائرة متكررة:
فكرة مشوهة
ثم شعور سلبي
ثم سلوك ناتج عن هذا الشعور
ثم نتيجة تعزز الفكرة القديمة
لذلك فان تغيير طريقة التفكير يمكن ان يساعد على كسر هذه الدائرة.
من الاخطاء الشائعة ان يحاول الانسان منع الافكار المزعجة او اجبار نفسه على عدم التفكير فيها.
كلما حاول الشخص ان يقول لنفسه: "لا اريد ان افكر بهذا"، قد يجد ان الفكرة تعود اليه بشكل متكرر.
الافضل هو التعامل مع الفكرة بطريقة مختلفة.
قل لنفسك:
"هذه مجرد فكرة ظهرت في ذهني، وليست حقيقة مؤكدة."
ثم اسال نفسك عن الدليل، وابحث عن تفسير اكثر واقعية.
التفكير المتوازن لا يعني ان نجبر انفسنا على التفكير بطريقة ايجابية طوال الوقت.
ليس المطلوب ان تقول:
"كل شيء رائع."
بينما الواقع صعب.
بل المطلوب ان ترى الموقف كما هو.
يمكن ان تقول:
"هذا الموقف صعب، لكنني استطيع التعامل معه."
"انا اخطات في هذا الامر، لكن هذا لا يعني انني شخص فاشل."
"قد يرفضني شخص، لكن هذا لا يعني ان الجميع يرفضني."
"قد يحدث امر لا اريده، لكنني ساتعامل معه عندما يحدث."
هذا هو التفكير المتوازن.
لا تضخيم للمشكلة ولا انكار لها.
العلاج المعرفي السلوكي يساعد الانسان على فهم العلاقة بين افكاره ومشاعره وسلوكه.
ومن خلاله يتعلم الشخص التعرف على الافكار التلقائية، واكتشاف التشوهات الموجودة فيها، ثم فحصها واعادة صياغتها بطريقة اكثر واقعية.
الهدف ليس ان يتخلص الانسان من جميع الافكار السلبية، فهذا امر غير واقعي.
الهدف هو ان يتعلم كيف يتعامل معها دون ان يصدقها بشكل تلقائي ودون ان يسمح لها بالتحكم في حياته.
ليس كل ما يقوله العقل حقيقة، وليس كل ما نشعر به دليلا على الواقع.
قد تكون بعض الافكار ناتجة عن الخوف او التجارب السابقة او التعميم او التفسير الخاطئ للاحداث.
وعندما نتعلم ملاحظة هذه الافكار وفحصها، نصبح اكثر قدرة على فهم انفسنا والتعامل مع مشاعرنا واتخاذ قرارات اكثر توازنا.
لا تحتاج دائما الى تغيير الواقع حتى تشعر بشكل مختلف.
في بعض الاحيان تحتاج فقط الى ان تتعلم كيف تنظر الى الواقع بطريقة اكثر دقة.
اسال نفسك دائما:
هل ما افكر به حقيقة؟
ام انه مجرد تفسير يحتاج الى دليل؟