الخوف من المرض شعور انساني طبيعي. عندما يشعر الانسان بعرض جسدي غير معتاد، من الطبيعي ان ينتبه اليه ويسعى لفهمه او الاطمئنان عليه. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاهتمام الى مراقبة مستمرة، وتفكير متكرر، وفحص قهري، وبحث لا ينتهي عن تفسير يطمئن العقل.
هنا قد لا يعود الانسان خائفا من المرض فقط، بل يصبح خائفا من احتمال المرض، ومن عدم اكتشافه، ومن الخطا في التشخيص، ومن فكرة ان شيئا خطيرا قد يحدث في جسده دون ان ينتبه له.
وهذا هو جوهر معاناة وسواس المرض.
وسواس المرض هو حالة يكون فيها الانسان منشغلا بشكل مفرط بفكرة الاصابة بمرض خطير، او احتمال الاصابة به، بحيث يصبح هذا الخوف مسيطرا على تفكيره وسلوكه، حتى عندما لا توجد مؤشرات طبية تتناسب مع مستوى الخوف الذي يشعر به.
قد ياتي الوسواس في صورة فكرة:
ماذا لو كان هذا المرض الخطير؟
او:
ربما الاطباء لم يكتشفوا المشكلة.
او:
هذا العرض لا يمكن ان يكون طبيعيا.
او:
يجب ان افحص نفسي مرة اخرى حتى اتاكد.
المشكلة هنا ليست مجرد وجود فكرة عن المرض، وانما الطريقة التي يتعامل بها الشخص معها، ومدى تاثيرها على حياته اليومية.
الجسد ليس الة صامتة. كل انسان يشعر يوميا بنبضات مختلفة، صداع عابر، تعب، تغير في التنفس، اصوات في المعدة، شد عضلي، تنميل او تغيرات بسيطة اخرى.
الشخص الطبيعي قد يشعر بالعرض ثم ينشغل عنه بعد فترة.
اما الشخص الذي يعاني من وسواس المرض، فقد يلتقط الاحساس ويضعه مباشرة داخل سيناريو كارثي.
صداع = ربما مرض خطير.
خفقان = ربما مشكلة في القلب.
تنميل = ربما مرض عصبي.
تعب = ربما مرض خطير لم يكتشف بعد.
وهنا لا يكون الخوف ناتجا عن العرض وحده، بل عن التفسير الذي اعطاه العقل لهذا العرض.
هذه من اهم النقاط التي يجب فهمها.
الاحساس الجسدي حقيقة، لكن تفسيره ليس بالضرورة حقيقة.
قد يشعر الانسان بخفقان حقيقي، لكن هذا لا يعني تلقائيا وجود مرض خطير.
وقد يشعر بدوخة حقيقية، لكن القلق نفسه يمكن ان يسبب اعراضا جسدية حقيقية.
وقد يشعر بشد عضلي، ثم يبدا بمراقبته، فيصبح اكثر انتباها له، فيبدو اقوى واكثر ازعاجا.
العقل القلق لا يكتفي بالشعور، بل يحاول تفسير الشعور بسرعة، وغالبا ما يختار التفسير الاكثر خطورة.
غالبا ما يسير الوسواس ضمن دائرة متكررة:
احساس جسدي طبيعي او عرض عابر
ثم تفسير كارثي
ثم ارتفاع القلق
ثم زيادة مراقبة الجسد
ثم ملاحظة مزيد من الاحساسات
ثم البحث والفحص وطلب الطمانة
ثم راحة مؤقتة
ثم عودة الشك من جديد.
وهنا تكمن المشكلة.
الشخص يتخيل ان الفحص والبحث والطمانة هي التي تنقذه من الخوف، لكنه من دون ان يشعر قد يعلم عقله ان الخوف لا يهدأ الا من خلال هذه السلوكيات.
وبالتالي يزداد الاعتماد عليها.
من اكثر السلوكيات شيوعا في وسواس المرض:
سؤال الطبيب اكثر من مرة
اعادة التحاليل دون حاجة واضحة
مقارنة الاعراض مع الاخرين
البحث في الانترنت
سؤال افراد العائلة بشكل متكرر
مراقبة نبض القلب
فحص الجسم امام المراة
الضغط على مكان معين للتأكد من وجود مشكلة او عدم وجودها
الانتباه المستمر لاي تغير جسدي.
قد يحصل الشخص بعد ذلك على راحة حقيقية.
لكنها راحة مؤقتة.
وبعد ساعات او ايام قد تظهر فكرة جديدة:
لكن ماذا لو كان هناك شيء لم يظهر في الفحص؟
وهكذا يعود من البداية.
لذلك فالطمانة المستمرة قد تخفف القلق للحظة، لكنها لا تعالج جذور الدائرة الوسواسية عندما تصبح سلوكا قهريا متكررا.
لان الوسواس لا يريد مجرد معلومة.
انه يريد يقينا كاملا.
وهذه نقطة جوهرية.
الشخص يقول:
اريد ان اتاكد مئة بالمئة انني لن امرض.
لكن لا يوجد انسان يستطيع ان يحصل على ضمان كامل تجاه المستقبل.
الحياة بطبيعتها تحتوي على قدر من عدم اليقين.
ولهذا يصبح الهدف العلاجي ليس ان تصل الى يقين مطلق، وانما ان تتعلم القدرة على تحمل قدر معقول من عدم اليقين دون ان تدخل في سلوكيات قهرية.
ماذا لو كان المرض موجودا؟
ماذا لو اخطا الطبيب؟
ماذا لو ظهرت علامة خطيرة ولم انتبه لها؟
ماذا لو كان هذا العرض مختلفا عن المرات السابقة؟
ماذا لو كان التحليل غير كاف؟
كل سؤال من هذه الاسئلة قد يبدو منطقيا وحده.
لكن عندما يصبح العقل معتادا على انتاج عشرات الاحتمالات يوميا، فان المشكلة لا تعود في السؤال، بل في عدم القدرة على ترك السؤال دون اجابة كاملة.
كل اجابة تولد سؤالا جديدا.
وهكذا يعيش الانسان داخل محكمة عقلية لا تنتهي.
من الاخطاء الشائعة ان يحاول الشخص التخلص من الفكرة فقط.
قد يقول:
يجب ان لا افكر بالمرض.
لكن محاولة منع الفكرة بالقوة قد تجعل الشخص اكثر انتباها لها.
التركيز العلاجي الاهم يكون على ما يحدث بعد الفكرة.
عندما تظهر فكرة المرض:
هل ابحث لساعات؟
هل افحص جسمي؟
هل اسال شخصا جديدا؟
هل اعيد التحليل دون داع؟
هل اراقب ضربات قلبي؟
هل افتح الانترنت؟
هل اطلب الطمانة مرارا؟
هنا تظهر نقطة التغيير الحقيقية.
وسواس المرض غالبا ما يتغذى على مجموعة من الاخطاء في التفكير، منها:
انتقال العقل من احتمال بسيط الى اسوا سيناريو ممكن.
التعامل مع عرض صغير وكانه دليل قوي على مشكلة خطيرة.
التركيز على معلومة واحدة مخيفة وتجاهل بقية المعلومات المطمئنة.
الاعتقاد بان الانسان يجب ان يعرف بالضبط ماذا يحدث وما الذي سيحدث.
عدم قبول الاحتمال، والحاجة الدائمة الى اجابة نهائية لا تحتمل الشك.
مجرد ان شيئا ما ممكن لا يعني انه حاصل فعلا.
فكرة:
يمكن ان يكون مرضا
تختلف تماما عن:
انا مصاب بهذا المرض.
عندما يوجه الانسان انتباهه باستمرار الى جسده، يبدأ باكتشاف تفاصيل لم يكن ينتبه لها سابقا.
النبض يصبح واضحا.
التنفس يصبح تحت المراقبة.
المعدة تصبح تحت الفحص.
حركة العضلات تصبح ملفتة.
وهذا التركيز المستمر يمكن ان يزيد الشعور بالاعراض ويجعلها تبدو اهم واكثر ازعاجا.
ثم يقول الوسواس:
ارى؟ هناك شيء فعلا.
فتزداد المراقبة، ويزداد القلق، وتزداد الاحساسات.
وهكذا يدخل الانسان في حلقة مغلقة.
من المهم جدا ان يفهم الشخص هذه النقطة.
الاعراض الناتجة عن القلق ليست اعراضا وهمية.
الخوف والقلق يمكن ان يرافقهما خفقان، توتر عضلي، تعرق، دوخة، اضطراب في المعدة، تسارع في التنفس وغير ذلك.
ولهذا قد يقع الشخص في خطا شائع:
انا خائف، وجسمي يرسل لي اعراضا، اذن انا مريض.
بينما قد تكون بعض هذه الاعراض جزءا من استجابة القلق نفسها.
هذا لا يعني تجاهل اي عرض طبي حقيقي، لكنه يعني ايضا عدم تفسير كل احساس جسدي على انه دليل على كارثة.
الاهتمام بالصحة سلوك صحي.
لكن هناك فرق بين:
لدي عرض مستمر واريد تقييمه طبيا.
وبين:
اشعر بشيء بسيط، لذلك يجب ان افحص نفسي عشر مرات، وابحث في الانترنت، واسال الجميع، ثم اعيد الفحص مرة اخرى.
الفرق ليس في وجود الاهتمام، بل في طبيعته وتكراره وتاثيره على الحياة.
الاهتمام الصحي منظم ومناسب للحاجة.
اما السلوك الوسواسي فيقوده الخوف، ويحتاج الى التكرار حتى يهدا مؤقتا.
وهنا يظهر الجانب الاكثر ايلاما.
قد يتوقف الشخص عن الاستمتاع بالحياة.
يصبح الاستيقاظ صباحا مرتبطا بمراقبة جسده.
ويصبح الطعام مرتبطا بالخوف من تاثيره على المرض.
ويصبح الخروج مرتبطا بالخوف من حدوث عرض.
والنوم يصبح فرصة جديدة لمراقبة النبض والتنفس.
وقد يصل الانسان الى مرحلة يشعر فيها ان جسده لم يعد مكانا للعيش، بل مكانا للتفتيش.
وهنا يصبح الهدف من العلاج ليس فقط تقليل الخوف من المرض، بل استعادة الحياة من قبضة المراقبة.
العلاج المعرفي السلوكي CBT من الاساليب المستخدمة في التعامل مع الوساوس والمخاوف المرتبطة بالصحة، ويقوم على فهم العلاقة بين الفكرة والمشاعر والسلوك.
في وسواس المرض لا يكون العلاج قائما على اقناع الشخص في كل مرة بانه سليم، بل على مساعدته في تغيير استجابته للافكار والمخاوف.
من اهم المهارات التي يمكن العمل عليها:
التعرف على الفكرة الوسواسية.
تمييز الاحتمال عن الحقيقة.
كشف التفكير الكارثي.
تقليل طلب الطمانة المتكرر.
تقليل الفحص القهري للجسد.
التوقف عن البحث المرضي في الانترنت.
تعلم تحمل قدر من عدم اليقين.
العودة الى النشاطات الطبيعية رغم وجود القلق.
عدم جعل الخوف هو من يحدد القرارات اليومية.
لا تدخل في مناظرة طويلة مع الفكرة.
لا تحتاج الى اثبات عكسها عشر مرات.
يمكن ان تتعامل معها بهذه الطريقة:
هذه فكرة وسواسية.
وجود الفكرة لا يعني وجود المرض.
لن احصل على يقين كامل.
ساسمح للقلق ان يكون موجودا دون ان اطعمه بسلوك قهري.
ثم تعود الى ما كنت تفعله.
قد تشعر بالقلق.
قد تشعر بعدم الارتياح.
قد يبقى الشك لبعض الوقت.
وهذا طبيعي.
التعافي لا يعني انك لن تشعر بالخوف، بل يعني ان الخوف لن يعود قادرا على ادارة حياتك.
بعض الاشخاص يقضون ساعات في التفكير:
لماذا شعرت بهذا؟
متى بدا؟
ماذا يعني؟
هل حدث معي من قبل؟
هل هناك شخص في العائلة لديه شيء مشابه؟
هل قرات عن هذا العرض؟
هل يمكن ان يكون نادرا؟
هل يمكن ان يكون الطبيب مخطئا؟
هذه ليست دائما محاولة للفهم.
قد تكون جزءا من الطقس الوسواسي.
ولذلك يحتاج الانسان ان يسال نفسه:
هل انا احل المشكلة فعلا، ام انني اعيد التفكير فيها فقط؟
لا يحتاج الشخص الى ان يصبح مقتنعا بان كل شيء سيكون ممتازا.
ولا يحتاج الى ان يقول:
انا متاكد تماما انني لن امرض.
العبارة الاكثر واقعية قد تكون:
قد لا اعرف كل شيء، لكنني استطيع ان اكمل حياتي دون ان افحص كل احتمال.
وهنا تبدأ الحرية النفسية.
وجود وسواس المرض لا يعني تجاهل الاعراض الطبية الحقيقية.
عندما يكون هناك عرض جديد، شديد، مستمر، متفاقم، او يثير قلقا طبيا حقيقيا، فان التقييم الطبي المناسب مهم.
لكن بعد الحصول على التقييم المناسب، من المهم الانتباه الى عدم تحول المتابعة الى طقس قهري متكرر بلا حاجة.
بمعنى اخر:
لا نهمل الجسد، ولا نجعل الخوف يدير الجسد.
انت لست ضعيفا.
ولست مجنونا.
ولست بالضرورة مريضا بكل ما يخبرك به عقلك.
انت انسان تعلم عقله ان يربط الاحساس بالخطر، والشك بالضرورة الى الفحص، والخوف بالحاجة الى الطمانة.
وهذا النمط يمكن تغييره.
قد تكون المشكلة اليوم انك تراقب جسدك اكثر مما تعيش حياتك.
لكن التعافي يبدأ عندما تنتقل من:
كيف اتاكد انني لن امرض؟
الى:
كيف اعيش حياتي حتى مع وجود قدر طبيعي من عدم اليقين؟
عندما تتوقف عن جعل كل احساس قضية، وكل فكرة انذارا، وكل شك سببا للفحص، يبدأ العقل بالتعلم من جديد.
لا تحتاج ان تربح كل معركة مع الوسواس.
تحتاج فقط ان تتوقف عن اطعامه.
جسدك ليس عدوا لك، والخوف ليس دائما حقيقته، والفكرة ليست حقيقة لمجرد انها تبدو مخيفة.
والحياة لا تبدأ عندما تحصل على يقين كامل.
الحياة تبدأ عندما تتوقف عن انتظار اليقين الكامل حتى تعيش.