هل أصبحت تغضب من أشياء كانت في السابق لا تستحق كل هذا الانفعال؟ هل تجد نفسك ترفع صوتك بسرعة، أو تنفعل على من حولك، ثم تشعر بالندم بعد أن تهدأ؟
العصبية والغضب من المشاعر الإنسانية الطبيعية، وجميعنا نشعر بهما في مواقف معينة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الغضب متكررا وشديدا، أو عندما تكون ردة الفعل أكبر بكثير من حجم الموقف، أو عندما يفقد الإنسان قدرته على التحكم بكلامه وتصرفاته.
العصبية المفرطة ليست دائما دليلا على أن الإنسان سيئ أو عصبي بطبيعته، فقد تكون أحيانا رسالة من النفس والجسد بأن هناك ضغطا أو ألما أو احتياجا لم تتم معالجته.
العصبية المفرطة هي حالة يكون فيها الشخص سريع الاستثارة، قليل التحمل، وسريع الانتقال من الهدوء إلى الغضب.
وقد تظهر على شكل:
ليس هناك سبب واحد للعصبية المفرطة، وإنما قد تنتج عن مجموعة من العوامل النفسية والسلوكية والجسدية.
عندما يعيش الإنسان تحت ضغط مستمر بسبب العمل أو الأسرة أو المسؤوليات أو المشكلات المالية والعاطفية، تقل قدرته على التحمل.
وقد يكون الموقف البسيط مجرد الشرارة التي أظهرت غضبا تراكم لفترة طويلة.
القلق لا يظهر دائما على شكل خوف واضح.
أحيانا يظهر في صورة عصبية، توتر، سرعة انفعال، تفكير زائد، وعدم القدرة على الاسترخاء.
لذلك قد يكون الشخص غاضبا طوال الوقت بينما المشكلة الأساسية هي أنه يعيش في حالة توتر مستمرة.
عندما لا يحصل الإنسان على نوم كاف، تتأثر قدرته على التركيز وتنظيم مشاعره والتحكم بردود أفعاله.
ولهذا قد يصبح أكثر حساسية للمواقف وأكثر سرعة في الغضب.
هناك أشخاص لا يعبرون عن حزنهم أو خوفهم أو شعورهم بالظلم، ويستمرون في قول "لا بأس" رغم أنهم من الداخل متعبون.
المشاعر المكبوتة لا تختفي دائما، وقد تظهر لاحقا في صورة عصبية وانفجار غضب.
عندما يبقى العقل في حالة تحليل مستمر لكل كلمة وتصرف وموقف، يصبح الإنسان أكثر توترا واستعدادا للانفعال.
وقد يفسر بعض التصرفات البسيطة على أنها إهانة أو تجاهل أو استفزاز، فيزداد الغضب.
أحيانا يكون الغضب نتيجة للفكرة التي نضعها حول الموقف، وليس الموقف وحده.
مثلا:
"هو يتعمد إزعاجي."
"هو لا يحترمني."
"الجميع يستغلني."
"لا أحد يفهمني."
هذه الأفكار قد تزيد شدة الغضب وتجعل رد الفعل أقوى.
قد تجعل التجارب المؤلمة السابقة الإنسان أكثر حساسية تجاه مواقف معينة.
فالشخص الذي تعرض للإهانة أو الخذلان أو الظلم قد يتفاعل بقوة مع أي موقف يذكره بتلك التجربة، حتى لو كان الموقف الحالي مختلفا.
لا.
الغضب بحد ذاته ليس ضعفا، بل هو شعور طبيعي يخبرنا أحيانا بأن هناك شيئا يزعجنا أو يتجاوز حدودنا.
لكن المشكلة تكمن في الطريقة التي نعبر بها عن الغضب.
الصراخ والإهانة والتهديد وتكسير الأشياء وإيذاء الآخرين ليست دليلا على القوة.
القوة النفسية الحقيقية هي أن تستطيع أن تشعر بالغضب دون أن تسمح له بقيادة تصرفاتك.
لأن شدة الانفعال تؤثر في طريقة التفكير واتخاذ القرار.
أثناء الغضب قد يركز الإنسان على الاستفزاز فقط، ويشعر برغبة قوية في الرد فورا.
وبعد أن يهدأ، يعود إلى حالة أكثر توازنا، فيدرك أن بعض الكلمات أو التصرفات لم تكن ضرورية.
لذلك من أهم قواعد التعامل مع الغضب:
لا تتخذ قرارات مهمة، ولا تخوض نقاشات مصيرية، وأنت في قمة غضبك.
قبل الانفجار غالبا توجد علامات واضحة، مثل:
تسارع ضربات القلب، شد عضلات الجسم، ارتفاع الصوت، سرعة التنفس، الشعور بالحرارة، التوتر، والرغبة في الرد فورا.
كلما تعلمت اكتشاف هذه العلامات مبكرا، أصبح من الأسهل إيقاف التصعيد.
عندما تشعر أن الغضب يرتفع، امنح نفسك مساحة قصيرة.
يمكنك أن تقول:
"أنا الآن غاضب، وأحتاج إلى أن أهدأ قبل أن أكمل الحديث."
الابتعاد المؤقت ليس هروبا من المشكلة، وإنما وسيلة لمنع الغضب من السيطرة عليك.
عند الغضب يصبح التنفس غالبا أسرع وأكثر توترا.
حاول أن تأخذ أنفاسا بطيئة وهادئة، مع إطالة الزفير، وكرر ذلك عدة مرات.
الهدف ليس إلغاء الغضب فورا، وإنما تخفيف حالة الاستنفار الجسدي حتى تستطيع التفكير بشكل أفضل.
اسأل نفسك:
"هل ما أفكر فيه حقيقة أم مجرد تفسير؟"
"هل هو يقصد فعلا استفزازي؟"
"هل هناك تفسير آخر لتصرفه؟"
"هل حجم ردة فعلي يتناسب مع حجم المشكلة؟"
هذه الأسئلة تساعدك على خلق مسافة بين الفكرة والانفعال.
الكلمة التي تقال أثناء الغضب قد تبقى في ذاكرة الطرف الآخر طويلا.
يمكنك التعبير عن غضبك دون إهانة:
بدلا من:
"أنت دائما تفعل هذا."
قل:
"أنا انزعجت من هذا التصرف وأريد أن نتحدث عنه."
الفرق ليس في وجود الغضب، وإنما في طريقة التعبير عنه.
أحيانا نغضب لأننا نريد شيئا ولا نعرف كيف نطلبه.
تعلم أن تقول بوضوح:
"أنا أحتاج إلى وقت لنفسي."
"هذا التصرف يزعجني."
"أحتاج منك أن تسمعني."
"لا أستطيع مناقشة الموضوع وأنا متوتر."
التعبير المباشر عن الاحتياجات يقلل كثيرا من تراكم المشاعر.
تنظيم النوم، أخذ فترات للراحة، ممارسة النشاط البدني، وتقليل مصادر التوتر يمكن أن تساعد في تحسين القدرة على تنظيم الانفعالات.
العناية بالجسم ليست منفصلة عن الصحة النفسية.
عندما تغضب، جرب قاعدة:
توقف – تنفس – فكر – اختر
توقف: لا ترد مباشرة.
تنفس: خفف سرعة تنفسك وانتظر حتى ينخفض التوتر.
فكر: ما الذي حدث؟ وما الفكرة التي جعلتني أغضب؟
اختر: ما أفضل رد يمكن أن يحل المشكلة دون أن يسبب مشكلة أكبر؟
مع التكرار، تتحول هذه الخطوات تدريجيا إلى مهارة.
من المفيد أن تكتب بعد كل موقف:
هذا النوع من المراقبة يساعدك على اكتشاف الأنماط المتكررة خلف العصبية.
قد تكتشف مثلا أن معظم نوبات غضبك تحدث عندما تكون متعبا، أو عندما تشعر بالتجاهل، أو عندما تتعرض للنقد، أو عندما تتراكم عليك المسؤوليات.
من المهم طلب المساعدة النفسية عندما تصبح العصبية شديدة أو متكررة أو تؤثر في حياتك وعلاقاتك.
ويستحسن استشارة مختص إذا كانت نوبات الغضب تؤدي إلى:
العلاج المعرفي السلوكي يمكن أن يساعد الشخص على فهم العلاقة بين الأفكار والمشاعر والسلوك، واكتشاف الأفكار التي تزيد الغضب، وتعلم مهارات جديدة لتنظيم الانفعال والتعامل مع المواقف بطريقة أكثر توازنا.
الهدف النفسي ليس أن تصبح شخصا لا يغضب أبدا.
الغضب جزء طبيعي من الحياة.
الهدف هو أن يصبح الغضب شعورا يمكنك فهمه وإدارته، وليس قوة تتحكم بك.
قد تغضب، لكنك تتعلم ألا تصرخ.
قد تنزعج، لكنك تتعلم ألا تهين.
قد تختلف مع شخص، لكنك تتعلم ألا تؤذيه.
وهذه هي مهارة النضج الانفعالي.
لا تسأل نفسك دائما:
"كيف أتخلص من غضبي؟"
بل اسأل:
"ماذا يحاول غضبي أن يخبرني؟"
فقد يكون خلف الغضب خوف، أو ضغط، أو تعب، أو شعور بالظلم، أو احتياج لم يتم التعبير عنه.
عندما تفهم جذور غضبك، تبدأ مرحلة مختلفة: بدلا من أن تحارب مشاعرك، تتعلم كيف تفهمها وتنظمها.
أنت لست غضبك، ولست ملزما بأن تتصرف بالطريقة التي يفرضها عليك غضبك.
الهدوء ليس أن لا تغضب، وإنما أن تمتلك القدرة على اختيار رد فعلك حتى عندما تكون غاضبا.