لماذا اصبحنا اضعف واكثر عرضة للكسر؟ د. مصطفى الغراوي – أخصائي العلاج المعرفي السلوكي (CBT)

لماذا نشعر اليوم اننا نتعب بسرعة؟ لماذا كلمة بسيطة قد تؤثر فينا طوال اليوم؟ ولماذا اصبح الفشل او الرفض او تجاهل شخص لنا كافيا حتى نشعر اننا انهارنا من الداخل؟

الحقيقة ان الانسان لم يصبح اضعف فجأة، لكن طريقة حياتنا تغيرت بشكل كبير.

اصبحنا نعيش تحت ضغط مستمر، ونقارن انفسنا بالآخرين، ونحاول ان نظهر بصورة مثالية، ونخاف من رأي الناس، ونحمل انفسنا فوق طاقتها.

نحن لا نتعب من مشكلة واحدة فقط، بل من تراكم اشياء صغيرة تحدث كل يوم.

نستيقظ ونفتح الهاتف، نرى حياة الآخرين، نجاحاتهم، سفرهم، علاقاتهم، اجسادهم، انجازاتهم، ثم نعود الى حياتنا ونشعر اننا متأخرون.

المشكلة اننا نقارن واقعنا الكامل بلحظات مختارة من حياة الآخرين.

وهذا النوع من المقارنة يستهلك الثقة بالنفس دون ان نشعر.

كذلك اصبحنا نبحث عن الراحة السريعة.

اذا شعرنا بالملل نمسك الهاتف.
اذا شعرنا بالحزن نبحث عن شيء يشتتنا.
اذا واجهتنا مشكلة نحاول الهروب منها.
اذا شعرنا بالقلق نطلب الطمأنينة من الآخرين.

ومع الوقت قد يتعلم العقل شيئا خطيرا:

انا لا استطيع تحمل هذا الشعور.

وهنا تبدأ قدرتنا على التحمل بالانخفاض.

القلق يصبح مخيفا اكثر.
الحزن يصبح غير محتمل.
الرفض يصبح كارثة.
الوحدة تصبح تهديدا.
والفشل يصبح دليلا على اننا لا نستحق.

في العلاج المعرفي السلوكي ننظر الى العلاقة بين الفكرة والمشاعر والسلوك.

فالموقف وحده لا يحدد دائما مقدار الألم الذي نشعر به، بل الطريقة التي نفسر بها الموقف لها دور كبير.

شخص يتعرض للنقد قد يقول:

انا فاشل ولا احد يحترمني.

وشخص آخر قد يقول:

هناك ملاحظة على ادائي، ويمكنني ان اتعلم منها.

الموقف واحد، لكن التفسير مختلف، ولذلك تكون الاستجابة النفسية مختلفة.

ومن اسباب هشاشتنا ايضا اننا اصبحنا نربط قيمتنا بنتائجنا.

اذا نجحنا نشعر اننا جيدون.
اذا فشلنا نشعر اننا بلا قيمة.
اذا احبنا شخصا وشعرنا انه يحبنا نشعر اننا مهمون.
اذا ابتعد عنا نشعر اننا لا نستحق الحب.

وهذا يجعل تقدير الذات معلقا على اشياء خارج سيطرتنا.

هناك ايضا مشكلة اخرى وهي اننا لا نعطي انفسنا فرصة حقيقية لتجربة الصعوبة.

نريد كل شيء بسرعة.

نريد النجاح بسرعة.
نريد العلاقات المثالية.
نريد التعافي بسرعة.
نريد ان تختفي مشاعر الحزن والقلق فورا.

لكن النفس البشرية لا تعمل بهذه الطريقة.

القوة النفسية لا تعني انك لا تتألم.

القوة النفسية تعني انك تتألم ولا تنهار بسبب الألم.

ان تخاف وتستمر.
ان تفشل وتحاول من جديد.
ان تسمع كلمة لا ولا تعتبرها نهاية العالم.
ان يخذلك شخص ولا تفقد نفسك معه.
ان تمر بيوم سيئ دون ان تقرر ان حياتك كلها سيئة.

نحن بحاجة الى ان نعيد تدريب عقولنا على تحمل المشاعر بدلا من الهروب منها دائما.

عندما تشعر بالقلق لا تقل:

لا استطيع تحمل هذا.

قل:

هذا شعور مزعج لكنه مؤقت، وسأتعامل معه خطوة بخطوة.

عندما تفشل لا تقل:

انا انسان فاشل.

قل:

هذه تجربة لم تنجح، ويمكنني ان اتعلم منها.

عندما يرفضك شخص لا تقل:

انا لا استحق.

قل:

رفض شخص لي لا يحدد قيمتي كإنسان.

وعندما تشعر انك ضعيف، تذكر انك قد لا تكون ضعيفا فعلا، ربما تكون فقط مرهقا من مقاومة اشياء كثيرة لفترة طويلة.

لذلك لا نحتاج دائما الى ان نصبح اقسى.

نحتاج ان نصبح اكثر وعيا بأنفسنا.

ان نعرف متى نحتاج الى الراحة.
ومتى نحتاج الى المواجهة.
ومتى نحتاج الى وضع حدود.
ومتى نحتاج الى طلب المساعدة.

القوة النفسية لا تعني انك لا تنكسر ابدا.

بل تعني انك عندما تنكسر، تعرف كيف تجمع نفسك من جديد.

لا تجعل هدفك ان تصبح انسانا لا يتأثر.

اجعل هدفك ان تصبح انسانا يتأثر، لكنه لا يسمح لكل موقف ان يهدمه.

لان الحياة لن تتوقف عن اختبارنا.

لكن يمكننا ان نتعلم كيف نواجه اختبارات الحياة دون ان نخسر انفسنا.