لماذا نفكر كثيرا ونعيش قليلا؟ د. مصطفى الغراوي اخصائي العلاج المعرفي السلوكي (CBT)

نحن لا نتعب دائما من الحياة نفسها، بل نتعب كثيرا من الطريقة التي نفكر بها في الحياة.

قد تجلس في مكان هادئ، لا يوجد حولك ما يهددك، ولا توجد مشكلة حقيقية تحدث في هذه اللحظة، ومع ذلك تشعر بالتوتر والقلق وكأن شيئا سيئا على وشك الحدوث.

تفكر في موقف حدث قبل سنوات، وتعيد تحليل كلام قلته، وتتساءل لماذا تصرفت بهذه الطريقة، وماذا كان يقصد الشخص عندما قال تلك الكلمة، وماذا كان يمكن أن يحدث لو اتخذت قرارا مختلفا.

ثم تنتقل من الماضي الى المستقبل.

ماذا لو فشلت؟
ماذا لو تغير الشخص؟
ماذا لو خسرت؟
ماذا لو مرضت؟
ماذا لو حدث شيء لا استطيع التعامل معه؟

وهكذا ينتهي يومك وانت موجود جسديا في الحاضر، لكن عقلك يعيش في الماضي ويخاف من المستقبل.

المشكلة ليست في التفكير بحد ذاته.

التفكير مهارة مهمة تساعدنا على حل المشكلات واتخاذ القرارات، لكن عندما يتحول التفكير الى اجترار مستمر، يبدأ العقل باستهلاك طاقتك بدلا من مساعدتك.

هناك فرق بين ان تفكر في المشكلة وبين ان تعيش داخلها.

عندما تفكر في مشكلة بهدف الوصول الى حل، فأنت تستخدم عقلك بطريقة مفيدة.

اما عندما تعيد السؤال نفسه عشرات المرات دون ان تصل الى نتيجة، فانت لا تحل المشكلة، بل تعيد تشغيل القلق.

بعض الناس يعتقدون ان كثرة التفكير تمنحهم السيطرة.

يقول الشخص لنفسه: اذا فكرت في كل الاحتمالات فسوف اكون مستعدا.

لكن الحقيقة ان العقل لا يستطيع التنبؤ بكل شيء.

كلما حاولت السيطرة على المستقبل بالكامل، زادت الاسئلة التي تظهر في ذهنك.

والنتيجة انك تبدأ بفقدان اللحظة التي تعيشها فعلا.

قد تكون جالسا مع عائلتك، لكنك تفكر في مشكلة في العمل.

قد تكون مع شخص تحبه، لكنك مشغول بما سيحدث للعلاقة بعد شهر.

قد تكون في اجمل مكان، لكن عقلك مشغول بموقف حدث بالامس.

وهنا يصبح الانسان موجودا في المكان، لكنه غائب عن حياته.

من اخطر نتائج التفكير الزائد انه يجعلك تتعامل مع الاحتمالات وكأنها حقائق.

مجرد انك تتخيل ان شيئا سيئا قد يحدث لا يعني انه سيحدث.

ومجرد ان شخصا لم يرد عليك لا يعني انه غاضب منك.

ومجرد انك ارتكبت خطأ لا يعني انك فاشل.

ومجرد انك مررت بتجربة مؤلمة لا يعني ان المستقبل سيكررها.

العقل القلق يميل الى البحث عن الخطر حتى عندما لا يكون هناك خطر حقيقي.

لذلك من المهم ان تسأل نفسك عندما يزداد التفكير:

هل انا امام مشكلة حقيقية تحدث الان؟
ام امام احتمال صنعه عقلي؟

هذا السؤال البسيط قد يساعدك على التمييز بين الواقع والخوف.

ومن الامور المهمة ايضا ان تتعلم تقبل ان بعض الاسئلة لا تملك اجابة فورية.

ليس كل شيء يحتاج الى تفسير.

ليس كل شخص يحتاج الى ان تفهم لماذا تصرف معك بهذه الطريقة.

وليس كل موقف يحتاج الى ان تعيده في ذهنك مئة مرة.

احيانا يكون الحل النفسي هو ان تقول:

لا اعرف.

وسوف اتعامل مع الامر عندما يحدث.

هذه ليست سلبية.

هذه قدرة على تحمل عدم اليقين.

الحياة لا تعطينا ضمانات كاملة.

ولذلك فان الراحة النفسية لا تأتي من معرفة كل ما سيحدث، بل من ثقتك بانك تستطيع التعامل مع ما سيحدث عندما يأتي.

ابدأ ايضا بمراقبة الوقت الذي تقضيه في التفكير.

عندما تلاحظ انك تعيد الفكرة نفسها، توقف واسأل:

هل هذا التفكير يقودني الى حل؟

اذا كانت الاجابة نعم، حدد الخطوة العملية التي تستطيع القيام بها.

واذا كانت الاجابة لا، فانت تحتاج الى العودة الى الحاضر.

انظر حولك.

تنفس ببطء.

تحرك.

تحدث مع شخص.

مارس نشاطا تحبه.

ركز على المهمة التي امامك.

ليس المطلوب ان تمنع الافكار من الدخول الى عقلك.

هذا غير واقعي.

المطلوب ان لا تسمح لكل فكرة ان تسحبك معها.

الفكرة مجرد فكرة، وليست حقيقة، وليست امرا يجب تنفيذه، وليست دائما رسالة يجب تحليلها.

تعلم ان تترك بعض الافكار تمر دون ان تدخل معها في نقاش طويل.

لان الحياة لا تنتظر حتى تنتهي من تحليل كل شيء.

هناك لحظات لن تعود.

اشخاص قد لا يبقون معنا دائما.

ايام تمر مرة واحدة.

ولذلك لا تجعل عقلك يسرق منك الحاضر بحجة انه يحاول حمايتك من المستقبل.

فكر عندما تحتاج الى التفكير.

خطط عندما تحتاج الى التخطيط.

تعلم من الماضي، لكن لا تسكن فيه.

استعد للمستقبل، لكن لا تعش فيه.

اما حياتك الحقيقية، فهي تحدث الان.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال:

كيف اتوقف عن التفكير؟

بل:

كيف افكر بطريقة لا تمنعني من العيش؟

لان الهدف ليس ان يصبح عقلك فارغا.

الهدف ان يصبح عقلك مكانا تستطيع العيش فيه بسلام.

د. مصطفى الغراوي
اخصائي العلاج المعرفي السلوكي (CBT)