الهشاشة النفسية عند المراهقين: لماذا أصبحوا لا يحتملون النقد والرفض؟ د. مصطفى الغراوي أخصائي العلاج المعرفي السلوكي (CBT)

في مرحلة المراهقة تحدث تغيرات كبيرة في شخصية الانسان وطريقة تفكيره ونظرته لنفسه وللاخرين. لذلك قد يكون المراهق اكثر حساسية تجاه كلام الناس ونظرتهم اليه، وقد يتأثر بالنقد او الرفض بصورة اكبر مما يتوقعه الاهل.

لكن عندما تصبح هذه الحساسية شديدة لدرجة تجعل المراهق ينهار امام ملاحظة بسيطة، او ينسحب من الناس بسبب موقف واحد، او يشعر ان رفض شخص له يعني انه انسان غير محبوب او غير مهم، فنحن امام مشكلة تحتاج الى فهم وليس فقط الى لوم.

الهشاشة النفسية لا تعني ان المراهق ضعيف الشخصية، ولا تعني انه مدلل بالضرورة. هي تعبير عن ضعف القدرة على التعامل مع الضغوط والمشاعر المؤلمة، خصوصا عندما لا يمتلك المراهق مهارات كافية لتنظيم انفعالاته والتعامل مع الرفض والفشل والانتقاد.

لماذا يتأثر المراهق بالنقد بشكل كبير؟

المراهق في هذه المرحلة يبدأ بتكوين صورة اكثر وضوحا عن نفسه. لذلك قد تصبح نظرة الاخرين اليه مهمة جدا بالنسبة له.

عندما يسمع مثلا:

انت فاشل
انت دائما تخطئ
انظر الى ابناء غيرك
لن تنجح
انت لا تفهم شيئا

قد لا يسمعها على انها ملاحظة لسلوك معين، بل قد يفسرها على انها حكم كامل على شخصيته.

وهنا تظهر مشكلة مهمة.

بدلا من ان يقول:

انا اخطأت في هذا الموقف ويمكنني اصلاح الخطأ

قد يفكر:

انا فاشل
انا لا استطيع
لا احد يحترمني
انا لا قيمة لي

وهذا يسمى في العلاج المعرفي السلوكي بالتعميم، عندما يتحول موقف واحد الى حكم شامل على الذات.

الرفض قد يكون مؤلما اكثر مما نتوقع

من اكثر الامور التي تؤثر في المراهق علاقاته مع اصدقائه وزملائه، وقد يكون تجاهله من مجموعة او استبعاده من نشاط او رفضه من شخص يحبه سببا في مشاعر قوية جدا.

المشكلة ليست في الشعور بالحزن بسبب الرفض، فهذا امر طبيعي.

المشكلة عندما يربط المراهق قيمته الشخصية برأي الاخرين.

اذا قبلني الناس فأنا جيد.

اذا رفضوني فأنا لا استحق.

اذا احبني شخص فأنا مهم.

اذا ابتعد عني فأنا بلا قيمة.

هذا النوع من التفكير يجعل المراهق يعيش وكأنه يحتاج باستمرار الى موافقة الاخرين حتى يشعر بالامان.

دور المقارنة في زيادة الهشاشة النفسية

المقارنة المستمرة من اكثر الامور التي يمكن ان تضعف صورة المراهق عن نفسه.

خصوصا عندما يرى عبر مواقع التواصل الاجتماعي اشخاصا يظهرون بصورة مثالية: شكل جميل، ملابس جميلة، نجاح، سفر، علاقات، اموال وانجازات.

وقد ينسى ان ما يراه هو جزء مختار من حياة شخص اخر.

فيبدأ بمقارنة حياته الحقيقية بصورة مثالية معروضة امامه.

لماذا انا لست مثلهم؟

لماذا شكلي ليس مثلهم؟

لماذا حياتي ليست مثل حياتهم؟

لماذا لا احد يحبني؟

ومع استمرار هذه المقارنات قد تزداد مشاعر النقص وعدم الرضا عن الذات.

هل الاهل هم السبب دائما؟

ليس من الصحيح تحميل الاهل المسؤولية عن كل حالة من الهشاشة النفسية.

هناك عوامل كثيرة يمكن ان تؤثر في المراهق، منها طبيعة شخصيته، التجارب التي مر بها، علاقاته الاجتماعية، التنمر، الضغوط الدراسية، المشكلات الاسرية، التجارب العاطفية، مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها.

لكن طريقة تعامل الاسرة مع مشاعر المراهق يمكن ان تزيد المشكلة او تساعد على تجاوزها.

فالمراهق الذي يسمع دائما:

لا تبجي
انت رجال
لا تخاف
الموضوع ما يسوى
غيرك عنده مشاكل اكبر
انت مدلل

قد يتعلم ان مشاعره غير مهمة، لكنه لا يتعلم كيف يتعامل معها.

وفي المقابل، الاستجابة لكل مشكلة بطريقة مبالغ فيها وحل كل شيء نيابة عنه قد تمنعه ايضا من تعلم تحمل الاحباط والمسؤولية.

لذلك التربية الصحية ليست في القسوة ولا في الحماية الزائدة.

ماذا يحتاج المراهق؟

المراهق يحتاج الى شخص يسمع مشكلته دون ان يسخر منها، وفي الوقت نفسه يساعده على رؤية الموقف بصورة اكثر واقعية.

بدلا من ان نقول له:

لا تهتم لكلام الناس

يمكن ان نقول:

اعرف ان كلامهم ضايقك، لكن خلينا نفكر: هل كلامهم يحدد فعلا قيمتك؟

وبدلا من:

لا تبجي على هذا الشخص

نقول:

من الطبيعي ان تتألم عندما تخسر شخصا مهما بالنسبة لك، لكن فقدان العلاقة لا يعني انك فقدت قيمتك.

هذه الطريقة تعلم المراهق الاعتراف بمشاعره دون ان يصبح اسيرا لها.

كيف نساعد المراهق على بناء مرونة نفسية؟

اولا: علمه ان الخطأ لا يعني الفشل

اجعل المراهق يفهم ان الخطأ جزء من التعلم، وان الانسان يمكن ان يخطئ دون ان يصبح انسانا فاشلا.

ثانيا: افصل بين السلوك والشخصية

بدلا من قول:

انت مهمل

قل:

هذا التصرف كان فيه اهمال ونحتاج ان نصلحه.

هناك فرق كبير بين انت سيئ وبين تصرفك كان غير مناسب.

ثالثا: لا تحل كل مشاكله

اسمح له بمحاولة حل بعض مشكلاته بنفسه، حتى لو لم تكن طريقته مثالية.

المراهق يحتاج الى تجربة المسؤولية، وليس فقط سماع النصائح.

رابعا: علمه تحمل الرفض

الرفض مؤلم لكنه جزء من الحياة.

لن يحبه الجميع، ولن يوافق عليه الجميع، ولن يحصل دائما على ما يريد.

تعلم تحمل هذه الحقيقة يساعده على بناء شخصية اكثر توازنا.

خامسا: قلل المقارنات

لا تجعل نجاح ابناء الاخرين معيارا دائما للحكم على ابنك.

بدلا من:

شوف فلان شلون صار

قل:

خلينا نشوف انت شنو الشي اللي تريد تطوره بنفسك.

سادسا: ساعده على اكتشاف نقاط قوته

الثقة بالنفس لا تبنى من المدح المستمر فقط، بل من التجربة والانجاز وتحمل المسؤولية.

دع المراهق يجرب، يخطئ، يتعلم، ثم يرى بنفسه انه قادر على التعامل مع الصعوبات.

متى تصبح المشكلة بحاجة الى اهتمام اكبر؟

اذا اصبح المراهق ينسحب بشكل واضح من الناس، او فقد اهتمامه بالاشياء التي كان يحبها، او اصبح شديد الخوف من النقد، او تراجع مستواه الدراسي بشكل ملحوظ، او ظهرت لديه مشاعر مستمرة من عدم القيمة واليأس، او بدأ يتحدث عن الموت او ايذاء نفسه، فلا ينبغي التعامل مع الامر على انه مجرد دلع او مرحلة وستنتهي.

في هذه الحالات من المهم ان يحصل على تقييم ومساندة من مختص نفسي مناسب، خصوصا اذا كانت الاعراض مستمرة او تؤثر في حياته اليومية.

في النهاية

المراهق لا يحتاج الى ان نمنع عنه كل تجربة مؤلمة، كما لا يحتاج الى ان نتركه يواجه كل شيء وحده.

هو يحتاج ان يتعلم كيف يتعامل مع الألم عندما يحدث.

نريد ان نربي مراهقا يعرف ان الرفض مؤلم لكنه لا يهدمه، وان النقد قد يزعجه لكنه لا يحدد قيمته، وان الخطأ يمكن اصلاحه، وان الفشل في موقف لا يعني الفشل في الحياة.

الهدف ليس ان نجعل المراهق لا يتأثر.

الهدف ان نساعده على ان يتأثر دون ان ينهار، وان يحزن دون ان يفقد نفسه، وان يواجه الرفض دون ان يكره ذاته.

وهذه هي المرونة النفسية التي يحتاجها المراهق حتى يدخل مرحلة الرشد وهو اكثر قدرة على مواجهة الحياة، وليس اكثر خوفا منها.