الخوف من الهجر: الجرح الذي يجعلنا نتشبث بمن يؤذينا د. مصطفى الغراوي اخصائي العلاج المعرفي السلوكي (CBT)

في بعض العلاقات، لا يكون خوفنا الحقيقي من فقدان الشخص بقدر ما يكون خوفنا من الشعور الذي سيأتي بعد فقدانه.

نخاف من الوحدة، من الفراغ، من فكرة ان لا يحبنا احد مرة اخرى، ومن السؤال الذي يطاردنا: ماذا لو تركني فعلا؟

لهذا قد يتمسك الانسان بعلاقة تؤذيه، ويتنازل عن حقوقه، ويتحمل البرود والتجاهل والاهانة، ويبرر تصرفات الطرف الاخر، فقط حتى لا يعيش تجربة الهجر.

وهنا يبدأ الفرق بين الحب والتعلق.

الحب يمنح الانسان مساحة ليكون نفسه، اما التعلق الناتج عن الخوف من الهجر فيجعل الانسان يشعر ان وجوده مرتبط بوجود شخص اخر.

من اين يأتي الخوف من الهجر؟

الخوف من الهجر قد يرتبط بتجارب سابقة عاشها الانسان في طفولته او في علاقاته السابقة.

قد يكون قد عاش فقدانا، اهمالا، انفصالا، عدم استقرار عاطفي، او شعورا متكررا بان الشخص الذي يحتاج اليه يمكن ان يبتعد عنه في اي لحظة.

ومع مرور الوقت، قد تتكون داخله فكرة مؤلمة:

"اذا لم اتمسك بالناس، فسوف يتركونني."

فتصبح العلاقات بالنسبة له ليست مساحة للحب فقط، بل مساحة للنجاة من الخوف.

كيف يظهر الخوف من الهجر في العلاقات؟

قد يظهر في صورة مراقبة مستمرة.

لماذا تأخر في الرد؟

لماذا تغير اسلوبه؟

لماذا اصبح كلامه اقل؟

هل هناك شخص اخر؟

هل ما زال يحبني؟

هل يريد الانفصال؟

وقد يتحول هذا القلق الى سلوكيات متكررة مثل كثرة الرسائل، الاتصال المستمر، تحليل الكلمات، مراقبة النشاط على مواقع التواصل، البحث عن علامات التغير، او اختبار مشاعر الطرف الاخر باستمرار.

وفي بعض الحالات، قد يتنازل الشخص عن اشياء مهمة بالنسبة له فقط حتى لا يخسر العلاقة.

يقول:

"المهم لا يتركني."

وهنا يصبح الخوف اقوى من احترام الذات.

لماذا نتشبث بمن يؤذينا؟

لان العقل في حالة الخوف لا يبحث دائما عن العلاقة الصحية، بل يبحث عن التخلص من التهديد.

فعندما يشعر الشخص ان الطرف الاخر قد يتركه، قد يصبح الحصول على رسالة او اهتمام بسيط منه مصدرا مؤقتا للراحة.

يختفي القلق عندما يتواصل معه.

ثم يعود القلق عندما يبتعد.

فيبدأ الانسان بالدخول في دائرة متكررة:

خوف
ثم مراقبة
ثم تواصل
ثم اطمئنان مؤقت
ثم ابتعاد
ثم خوف من جديد.

ومع تكرار هذه الدائرة، قد يصبح الشخص اكثر تعلقا بالعلاقة، حتى لو كانت تؤذيه.

المشكلة ليست دائما في الشخص الاخر

في بعض الحالات، يكون الطرف الاخر فعلا مؤذيا او غير واضح او متلاعبا او غير ملتزم.

لكن هناك جزءا اخر يحتاج الانسان الى فهمه:

لماذا استمررت رغم الاذى؟

لماذا اصبحت اخاف من فقدان شخص لا اشعر معه بالامان؟

لماذا اصبحت اتنازل عن نفسي حتى تبقى العلاقة؟

هذه الاسئلة لا تهدف الى لوم الشخص، بل الى مساعدته على فهم نفسه.

لان علاج التعلق لا يبدأ دائما بمحاولة نسيان الشخص، بل يبدأ بفهم السبب الذي جعل وجوده بهذه الاهمية النفسية.

الخوف من الهجر قد يجعلنا نفسر الاذى بطريقة مختلفة

عندما يكون الانسان خائفا من الفقد، قد يبدأ بتبرير سلوكيات الطرف الاخر.

يقول:

"هو متعب."

"ربما لديه ظروف."

"هو يحبني لكنه لا يعرف كيف يعبر."

"ربما انا حساس اكثر من اللازم."

"سيتغير مع الوقت."

قد تكون بعض هذه التفسيرات صحيحة، وقد لا تكون.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الانسان يستخدم التبرير بشكل مستمر حتى يتجنب مواجهة حقيقة العلاقة.

ليس كل ابتعاد يعني هجر.

وليس كل خلاف يعني نهاية العلاقة.

وفي الوقت نفسه، ليس كل اذي يمكن تبريره باسم الحب.

كيف نبدأ بالتعامل مع الخوف من الهجر؟

اولا: تعرف على الفكرة التي تظهر داخلك

عندما يبتعد شخص عنك، اسأل نفسك:

ما الذي اخاف منه بالضبط؟

هل اخاف من فقدان الشخص؟

ام اخاف من الوحدة؟

ام اخاف من ان لا يحبني احد؟

ام اخاف من ان اكون غير كاف؟

ام اخاف من تكرار تجربة قديمة؟

معرفة الخوف الحقيقي تساعدك على التعامل معه بدلا من الهروب منه.

ثانيا: لا تجعل القلق يقود سلوكك

عندما تشعر بالخوف، لا تتخذ قرارا فوريا.

لا ترسل عشرات الرسائل.

لا تراقب الشخص لساعات.

لا تهدد بالانفصال ثم تتراجع.

لا تتنازل عن حدودك فقط حتى تحصل على اهتمام مؤقت.

اعط نفسك وقتا حتى تهدأ، ثم قرر ماذا تريد فعلا.

ثالثا: افصل بين الحب والحاجة

قد تحب شخصا، لكن هذا لا يعني ان وجوده شرط حتى تشعر بقيمتك.

العلاقة الصحية اضافة الى حياتك وليست بديلا عن حياتك.

انت تحتاج الى حياتك، عملك، اصدقائك، اهتماماتك، اهدافك، ونظرتك الخاصة الى نفسك.

كلما اصبحت حياتك اوسع، قل احتمال ان يصبح شخص واحد هو مركز عالمك كله.

رابعا: راقب حدودك

اسأل نفسك:

ما الاشياء التي لا اقبلها في العلاقة؟

هل يتم احترام مشاعري؟

هل استطيع التعبير عن احتياجاتي دون خوف؟

هل اشعر بالامان ام اعيش في حالة ترقب مستمرة؟

هل انا في علاقة متبادلة ام ابذل كل شيء حتى لا يرحل الطرف الاخر؟

هذه الاسئلة قد تكشف لك اشياء كنت تتجنب رؤيتها.

خامسا: تعلم تحمل المسافة

من اصعب الخطوات بالنسبة للشخص المتعلق ان يتعلم ان الابتعاد المؤقت لا يعني بالضرورة نهاية العلاقة.

ليس عليك دائما ان تفعل شيئا عندما تشعر بالخوف.

احيانا تحتاج فقط الى تحمل الشعور حتى يهدأ.

فالقلق يرتفع ثم ينخفض.

وكل مرة تتعلم فيها انك تستطيع تحمل هذا الشعور دون ان تركض خلف الشخص، تزداد قدرتك على التحكم بنفسك.

لا تجعل خوفك من الهجر يهجرك من نفسك

قد يكون اكثر ما يؤلم في بعض العلاقات ان الانسان لا يخسر الطرف الاخر فقط، بل يخسر نفسه ايضا.

يتوقف عن ممارسة حياته.

يبتعد عن اصدقائه.

يهمل عمله.

يقل اهتمامه بنفسه.

يصبح يومه مرتبطا برسالة او مكالمة او موقف من شخص اخر.

وهنا نحتاج الى التوقف والسؤال:

هل انا احاول الحفاظ على العلاقة، ام احاول الهروب من خوفي؟

لان الفرق بين الاثنين كبير.

قد يكون الشخص الذي تخاف من فقدانه مهما في حياتك، لكنك ايضا مهم في حياتك.

ولا ينبغي ان يكون ثمن بقاء اي علاقة هو ان تفقد نفسك.

في العلاج المعرفي السلوكي

يساعد العلاج المعرفي السلوكي على فهم العلاقة بين الافكار والمشاعر والسلوك.

فالفكرة:

"اذا تركني فسوف انهار"

قد تولد القلق.

والقلق قد يدفع الى المراقبة والاتصال والتعلق.

ثم تأتي استجابة الطرف الاخر لتزيد الفكرة قوة.

لذلك نعمل على فحص هذه الافكار، والتمييز بين الخوف والحقيقة، وتعلم استجابات اكثر توازنا، وبناء قدرة اكبر على تحمل المشاعر دون ان تتحول الى سلوكيات مؤذية للانسان نفسه.

الهدف ليس ان تصبح بلا مشاعر.

الهدف ان تشعر دون ان تفقد السيطرة على نفسك.

تذكر

الشخص الذي يخاف من الهجر يحتاج احيانا الى ان يتعلم شيئا اكبر من كيفية الاحتفاظ بالناس.

يحتاج الى ان يتعلم كيف يشعر بالامان مع نفسه.

لان الامان الحقيقي لا يأتي دائما من ضمان ان الجميع سيبقون.

بل يأتي ايضا من معرفة انك تستطيع الاستمرار حتى عندما يرحل شخص.

وانك تستطيع ان تحزن دون ان تنهار.

وانك تستطيع ان تحب دون ان تلغي نفسك.

وانك تستطيع ان ترفض الاذى دون ان تشعر بالذنب.

وان خسارة علاقة لا تعني خسارة قيمتك.

قد يرحل شخص من حياتك، لكن لا تسمح لخوفك من رحيله ان يجعلك ترحل عن نفسك.