التعفن الدماغي في عصر السرعة الرقمية ماذا يحدث عندما لا نعود نملك السيطرة على انتباهنا؟ د. مصطفى الغراوي – أخصائي العلاج المعرفي السلوكي (CBT)

لم تعد التكنولوجيا جزءاً خارجياً من حياتنا، بل اصبحت حاضرة في تفاصيل يومنا. يبدأ كثير من الناس يومهم بالهاتف وينهونه بالشاشة نفسها، وبين البداية والنهاية تتكرر الاشعارات والمقاطع القصيرة والصور والمعلومات المتتابعة.

المشكلة ليست في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في تحول استخدامها من اختيار واعي الى سلوك تلقائي، بحيث يجد الانسان نفسه يعود الى الهاتف باستمرار حتى عندما لا تكون لديه حاجة حقيقية.

انتشر في السنوات الاخيرة مصطلح (التعفن الدماغي) للتعبير عن الانغماس المستمر في المحتوى الرقمي السطحي والمتكرر. وهو ليس تشخيصاً نفسياً رسمياً، ولا يعني حدوث تعفن فعلي في الدماغ، لكنه يعبر عن قلق متزايد حول الطريقة التي أصبحنا نستهلك بها المحتوى.

والسؤال المهم ليس فقط: كم ساعة نقضي امام الشاشة؟ بل: هل ما زلنا نملك السيطرة على انتباهنا؟

الانتباه مورد نفسي مهم يساعدنا على التعلم والفهم واتخاذ القرارات وبناء العلاقات. وعندما ننتقل باستمرار بين المقاطع والاشعارات والتطبيقات، قد تصبح الانشطة التي تحتاج الى تركيز وصبر اقل جاذبية.

المشكلة لا تظهر من استخدام واحد، وانما من التكرار. مقطع بعد مقطع، واشعار بعد اشعار، وتمرير بعد تمرير، يمكن ان يتحول الاستخدام الى عادة يصعب ايقافها.

وقد تصبح الشاشة وسيلة للهروب من الملل او القلق او الوحدة، بدلا من كونها وسيلة للترفيه والمعرفة فقط. لذلك فالمشكلة ليست في الهاتف وحده، وانما في الطريقة التي نستخدمه بها، وفي علاقتنا بالمحتوى الذي نستهلكه يوميا.

هذه القضية ليست تقنية فقط، بل هي قضية نفسية وتربوية واجتماعية. الطفل الذي ينشأ وسط المثيرات الرقمية المستمرة يحتاج الى بيئة تساعده على تطوير مهارات اخرى مثل الصبر، والانتظار، والقراءة، واللعب الواقعي، والحوار، وحل المشكلات، والتعامل مع الملل دون اللجوء الفوري الى الشاشة.

والمراهق يحتاج الى فهم ان قيمته لا تقاس بعدد الاعجابات والمشاهدات، وان الحياة الواقعية لا تعمل بالسرعة نفسها التي تعمل بها المنصات الرقمية.

اما الاسرة، فلا يكفي ان نقول للطفل اترك الهاتف. فالطفل يحتاج الى بديل. مثل الرياضة، والقراءة، واللعب، والحوار، والوقت العائلي، والهوايات، كلها بدائل تساعد على بناء علاقة أكثر توازنا مع التكنولوجيا.

والاهم ان يكون الوالدان نموذجاً في الاستخدام المتوازن. فمن الصعب ان نطلب من الطفل ترك الهاتف بينما يراه والديه يستخدمانه طوال الوقت.

نحن بحاجة الى تربية رقمية تعلم الاطفال والمراهقين كيفية استخدام التكنولوجيا بوعي، وكيفية التحقق من المعلومات، وفهم تأثير الخوارزميات، وادارة وقت الشاشة، والانتباه الى علامات الاستخدام القهري.

كما نحتاج الى اعادة الاهتمام بالقراءة الطويلة والكتابة والبحث والنقاش والانشطة التي تحتاج الى وقت وجهد، لأنها تساعد على تدريب العقل على التركيز وعدم البحث عن المكافأة الفورية باستمرار.

وتتحمل المؤسسات التعليمية والاعلامية جزءاً من المسؤولية في نشر الوعي حول الاستخدام الصحي للتكنولوجيا، كما تتحمل شركات التكنولوجيا مسؤولية توفير ادوات تساعد المستخدم على ادارة وقته وتقليل الاشعارات غير الضرورية، خصوصا بالنسبة للأطفال والمراهقين.

ومن هنا نقترح اعتماد موضوع الاستخدام الواعي للتكنولوجيا وتأثير المحتوى الرقمي المتكرر ضمن برامج التوعية النفسية والتربوية في المدارس، خصوصا لطلبة المرحلة المتوسطة والثانوية، من خلال برنامج توعوي يتكون من أربع حصص، بواقع حصة واحدة اسبوعياً.

يمكن ان تتناول الحصص مفهوم (التعفن الدماغي)، وتأثير الاستخدام المفرط للمحتوى السريع على الانتباه والتركيز، وكيفية التعامل الواعي مع الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، مع تنفيذ انشطة عملية تساعد الطلبة على تنظيم وقت الشاشة.

كما يمكن تنفيذ تحد لمدة سبعة ايام بعنوان (استعد انتباهك)، يهدف الى مساعدة الطلبة على تقليل الاستخدام التلقائي للهاتف، وزيادة القراءة والنشاط البدني والتفاعل الاسري والاجتماعي.

ولا تهدف هذه التوصية الى منع التكنولوجيا او الابتعاد عنها، بل الى تعزيز التربية الرقمية وبناء علاقة أكثر توازنا ووعيا بين الطالب والتكنولوجيا.

لا نحتاج دائما الى تغييرات كبيرة. يمكن ان نبدأ بخطوات بسيطة ومتدرجة، مثل:

تخصيص وقت يومي دون هاتف وعدم استخدام الهاتف اثناء تناول الطعام وابعاد الهاتف قبل النوم والقراءة يوميا ولو لعدة صفحات وممارسة نشاط بدني والجلوس مع الاسرة دون أجهزة وكذلك تخصيص اوقات محددة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

وقبل فتح الهاتف يمكن ان نسأل أنفسنا: هل احتاجه فعلاً؟ هل أبحث عن شيء محدد؟ ام انني افتحه بشكل تلقائي؟ كيف اشعر بعد استخدامه؟ هل هذا المحتوى يضيف شيئا الى حياتي؟ ام انه مجرد وسيلة للهروب من الملل؟

هذه الاسئلة البسيطة تساعدنا على الانتقال من الاستخدام التلقائي الى الاستخدام الواعي.

الحديث عن (التعفن الدماغي) لا يعني ان التكنولوجيا سيئة، ولا يعني ان الحل هو العودة الى الماضي. التكنولوجيا اصبحت جزءا من حياتنا وستستمر في التطور.

المطلوب ليس ان نخرج من العالم الرقمي، بل ان نتعلم كيف نعيش فيه دون ان نفقد قدرتنا على الاختيار.

فالمشكلة الحقيقية ليست امتلاك الهاتف، بل فقدان القدرة على وضعه جانباً.

وأخطر ما يمكن ان نخسره ليس الوقت فقط، بل قدرتنا على توجيه انتباهنا بإرادتنا.

فالإنسان الذي لا يستطيع ان يقرر اين يضع انتباهه، يصبح أكثر عرضة لان تقرر البيئة من حوله ذلك نيابة عنه.

مواجهة التعفن الدماغي ليست حرباً على التكنولوجيا، بل دفاع عن الانسان، وعن انتباهه، وعن قدرته على التفكير، وعن حقه في اختيار ما يدخل الى عقله وما يستحق من وقته وحياته.